محمد سعيد رمضان البوطي
232
فقه السيرة ( البوطي )
ليحمي بها عرضه ويذبّ بها عن عرينه وينسبها إلى الوحي السماوي ، لتنقطع ألسنة المتخرّصين ؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على اللّه وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) [ الحاقة : 44 - 47 ] « 1 » . ولقد كانت السيدة عائشة رضي اللّه عنها ، أول من تجلّت لها هاتان الحقيقتان ، حتى ذهبت في توحيدها وعبوديتها للّه وحده مذهبا أنساها ما سواه ومن سواه ، فلذلك أجابت أمّها حينما طلبت إليها أن تقوم فتشكر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قائلة : لا أقوم إليه ولا أحمد إلا اللّه ، هو الذي أنزل براءتي . إن هذا الكلام من السيدة عائشة قد يبدو وكأن فيه شيئا من عدم اللياقة تجاه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، غير أن الظرف والحالة ، هما اللذان أمليا عليها هذا الكلام ، فهي إنما انساقت بوحي الحالة التي كونتها الحكمة الإلهية تثبيتا لعقيدة المؤمنين ، وقطعا لإفك المنافقين والملحدين ، وإظهارا لمعنى التوحيد والعبودية الشاملة للّه وحده . وهكذا فقد انطوت قصة الإفك على حكمة إلهية باهرة استهدفت تثبيت العقيدة الإسلامية ، وردّ ما قد يعرض من شبه عليه ، وتلك هي الخيرية التي عبر اللّه عنها بقوله : لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ النور : 11 ] . خامسا : في قصة الإفك هذه ، ما يدلنا على مشروعية حد القذف ، فقد رأينا أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمر بأولئك الذين تفوّهوا بصريح القذف ، فضربوا حد القذف وهو ثمانون جلدة ، وليس في هذا من إشكال . إنما الإشكال في أن ينجو من الحد الذي تولى كبر هذه الشائعة وتسييرها بين الناس ، وهو عبد اللّه بن أبيّ بن سلول ، والسبب ، كما قال ابن القيم ، أنه كان يعالج الحديث من الإفك بين الناس بخبث ، فكان يستوشي الكلام فيه ويجمعه ويحكيه في قوالب من لا ينسب إليه « 2 » . وأنت خبير أن حد القذف إنما يقع على من يتفوّه به بصريح القول . هذا ولنختم الحديث عن قصة الإفك ودروسها ، بذكر الآيات العشرة التي نزلت ببراءة أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها ، وإدانة المنافقين والخاطئين . يقول اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ
--> ( 1 ) النبأ العظيم للدكتور محمد عبد اللّه دراز ص 17 . ( 2 ) راجع زاد المعاد لابن القيم : 2 / 115 .